ناهد صلاح ترصد تحولات المشهد الفني: الـ«Micro Drama» تهز قواعد الدراما.. وأزمات المهرجانات تتجاوز التمويل
في لحظة فارقة تتسارع فيها وتيرة التحولات الفنية والتكنولوجية، يقف المشهد الثقافي في مصر أمام مفترق طرق حقيقي، فبينما يعيد الجمهور صياغة علاقته بالشاشة عبر ثورة “الـ Micro Drama”، تقف الهياكل المؤسسية والمهرجانات الرسمية في مواجهة اختبارات قاسية للاستدامة والإدارة.
هذا التابلوه المعقد من التغيرات في أنماط الإنتاج وسلوكيات التلقي، تنعكس ملامحه بوضوح في الرؤية النقدية للكاتبة الصحفية والناقدة الفنية الكبيرة ناهد صلاح، التي ترصد في السطور التالية تفاصيل صراع القيمة والإيقاع بين الدراما القصيرة والتقليدية، وتفكك جذور أزمات المهرجانات السينمائية والمسرحية، متسائلة عن الحد الفاصل بين مواكبة متطلبات السوق العصرية والحفاظ على الهوية والقيمة الفنية.
وترى الناقدة الفنية الكبيرة ناهد صلاح، أن هذه التحولات لا يمكن التعامل معها باعتبارها ظواهر عابرة، وإنما باعتبارها مؤشرات على تغيرات أعمق في علاقة الجمهور بالمحتوى الفني، وفي طرق إنتاجه وتسويقه وتقديمه.

الـ«Micro Drama».. ثورة في عادات المشاهدة أم استهلاك سريع؟
تصف ناهد صلاح صعود الـ«Micro Drama» بأنه ثورة حقيقية في عادات المشاهدة، لكنها في الوقت نفسه تحذر من احتمالية تحولها إلى مجرد محتوى سريع الاستهلاك.
وتوضح الناقدة الفنية الكبيرة، أن هذه الصيغة الدرامية لم تظهر من فراغ، وإنما جاءت استجابة مباشرة للتغير الكبير في سلوك الجمهور، الذي أصبح يبحث عن جرعة درامية مكثفة يمكن متابعتها في أي وقت، وعلى شاشة الهاتف تحديدًا.
لكنها تؤكد أن قِصر مدة العمل لا يعني بالضرورة تحقيق ثورة فنية، موضحة أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة هذه الأعمال على تقديم دراما مكتملة، وشخصيات قادرة على التأثير، وصراع درامي حقيقي، بدلًا من الاكتفاء بلحظات خاطفة ونهايات صادمة هدفها الأساسي دفع المشاهد إلى متابعة الحلقة التالية.
وتقول ناهد صلاح، إن مستقبل الـ«Micro Drama» سيتحدد بمدى قدرتها على الانتقال من مجرد الاقتصاد في الزمن إلى اقتصاد ذكي في السرد، بحيث يصبح الاختصار وسيلة لتكثيف الحكاية، وليس تفريغها من مضمونها.
هل تهدد الـ«Micro Drama» مسلسلات الـ30 حلقة؟
لا تعتقد ناهد صلاح أن الدراما القصيرة ستقضي على المسلسلات التقليدية ذات الثلاثين حلقة، لكنها في المقابل ترى أنها تهز القواعد التي اعتدنا أن نكتب وننتج ونشاهد من خلالها الدراما.
وتشير والناقدة الفنية الكبيرة ناهد صلاح، إلى أن التهديد الحقيقي لا يتعلق بعدد الحلقات، وإنما بتغير توقعات الجمهور تجاه الإيقاع الدرامي؛ فالمشاهد الذي اعتاد الحصول على حكاية مكثفة خلال دقائق معدودة قد يصبح أقل صبرًا تجاه المط والتكرار والحلقات التي لا تضيف جديدًا إلى مسار الأحداث.
ومن هنا، تتوقع ناهد صلاح، أن تدفع هذه الظاهرة الدراما التقليدية إلى إعادة النظر في البناء والإيقاع وكثافة الأحداث، بما يجعل كل حلقة أكثر قدرة على جذب انتباه المشاهد والمحافظة عليه.
أما على مستوى شركات الإنتاج، فتشير إلى أنه من الطبيعي أن تبدأ الشركات في اختبار هذه الصيغة، خاصة أنها أقل تكلفة وأسرع إنتاجًا، فضلًا عن سهولة توزيعها عبر المنصات الرقمية.
لكنها تستبعد أن يعني ذلك التخلي عن المسلسلات الطويلة، وترجح أن يتجه السوق إلى مزيد من التنوع في الصيغ الدرامية، بحيث تتجاور الأعمال القصيرة والطويلة، ويصبح نجاح العمل مرتبطًا بمدى ملاءمة الحكاية للمنصة والزمن والجمهور، وليس بعدد الحلقات فقط.
أزمات المهرجانات السينمائية.. المشكلة في الإدارة قبل التمويل
وتنتقل ناهد صلاح إلى ملف المهرجانات السينمائية الرسمية، مشيرة إلى ما يواجهه مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة والمهرجان القومي للسينما المصرية من تحديات خلال السنوات الأخيرة.
وترى أن تكرار هذه الأزمات يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها مجرد تعثرات عابرة. فالغموض الذي أحاط بموعد دورة جديدة لمهرجان الإسماعيلية، إلى جانب غياب المهرجان القومي للسينما لمدة ثلاث سنوات قبل الإعلان عن عودته، يطرحان تساؤلات أوسع حول استدامة وإدارة الفعاليات السينمائية الرسمية.
وفي الوقت نفسه، تؤكد أن الأدق ليس القول إن الدولة تراجعت عن دعم السينما، وإنما الحديث عن أزمة في استدامة وإدارة بعض الفعاليات السينمائية الرسمية.
وتوضح أن المهرجانات التي تمتلك تاريخًا واسمًا وتراكمًا مهنيًا لا ينبغي أن يكون استمرارها مرهونًا كل عام بالظروف أو بإعادة ترتيب الأولويات، لأن تكرار التعطيل يفتح الباب أمام سؤال أكثر أهمية يتعلق بموقع السينما والمهرجانات داخل استراتيجية وزارة الثقافة.
التمويل ليس وحده سبب الأزمة
وحول جذور الأزمة، ترى الناقدة الفنية الكبيرة ناهد صلاح أن المشكلة ليست مالية فقط، رغم أهمية الميزانية باعتبارها عاملًا أساسيًا في إقامة المهرجانات واستمرارها.
وتشير إلى أن توقف المهرجان القومي للسينما لثلاث سنوات، بالتزامن مع ظهور مشكلات إدارية وقانونية مرتبطة بالدورة السابقة لمهرجان الإسماعيلية، يعكس أن الأزمة تتجاوز مسألة التمويل إلى آليات الإدارة وصنع القرار والتخطيط المؤسسي.
وتلفت إلى أن عودة المهرجان القومي للسينما نفسها جاءت في إطار إعادة تشكيل الهيكل الإداري، وهو ما يمكن قراءته باعتباره مؤشرًا على أن إعادة تنظيم المؤسسة أصبحت جزءًا أساسيًا من محاولة معالجة الخلل واستعادة الاستمرارية.
المسرح التجريبي.. من منصة للعروض إلى جسر للحوار الثقافي
وفيما يتعلق بالمسرح التجريبي، تؤكد الناقدة الفنية الكبيرة ناهد صلاح أن المهرجان لم يعد مجرد مساحة لعرض الأشكال المسرحية غير التقليدية، وإنما تحول إلى جسر حقيقي للحوار الثقافي، يتيح للمسرح المصري والعربي الاحتكاك بتجارب عالمية متنوعة، ويفتح المجال أمام تبادل الأفكار والرؤى وأساليب الإنتاج.
وترى أن أهمية المهرجان تتزايد في ظل التحولات الثقافية المتسارعة، خصوصًا مع قدرته على استقطاب تجارب عالمية جادة ومبتكرة، بما يعزز حضور مصر على خريطة المسرح الدولي، ويمنح الفنان المصري فرصة للتعلم والتفاعل وتبادل الخبرات، وليس مجرد مشاهدة عروض أجنبية.
وتشدد على أن مفهوم التجريب لا يعني تقليد الآخر، وإنما اكتشاف مسارات جديدة للتعبير المسرحي مع الحفاظ على خصوصية الهوية الثقافية.
التحدي الأكبر.. كيف يتحول التبادل إلى أثر مستدام؟
وفي المقابل، تطرح الناقدة الفنية الكبيرة ناهد صلاح تحديًا أساسيًا أمام المهرجان، يتمثل في ضرورة ألا يتحول استقطاب العروض الأجنبية إلى مجرد حضور احتفالي ينتهي بانتهاء الدورة، بينما يظل تأثيره محدودًا على الحركة المسرحية المصرية.
وترى أن المطلوب هو تجاوز فكرة عرض التجارب الأجنبية إلى بناء حوار حقيقي وتبادل مستدام للخبرات، من خلال تنظيم ورش ولقاءات ومشروعات مشتركة يمكن أن تترك أثرًا فعليًا بعد انتهاء المهرجان.
وتؤكد أن التجريب لا ينبغي أن يتحول إلى هدف في حد ذاته، وإنما يجب أن يكون وسيلة لتطوير لغة المسرح وتجديد أدواته والوصول إلى جمهور أوسع.
وفي رؤيتها للمشهد ككل، تبدو ناهد صلاح أمام لحظة فارقة في الصناعة الفنية؛ لحظة يتغير فيها شكل المحتوى وسلوك الجمهور، بالتوازي مع الحاجة إلى إعادة النظر في إدارة المؤسسات والمهرجانات وآليات استمرارها. وبين ثورة الـ«Micro Drama» وأزمات المهرجانات، يبقى التحدي الحقيقي هو القدرة على مواكبة التغيير دون التفريط في القيمة الفنية، أو تحويل الثقافة والفن إلى مجرد استجابة سريعة لمتطلبات السوق.









